عبد الكريم الخطيب

962

التفسير القرآنى للقرآن

لكأنهم إنما يتعاطون شرابا مرّا لا يجدون له مساغا . . ثم إنهم لا يقفون عند هذا الذي كان من لىّ رؤوسهم عند سماعهم لدعوة من يدعوهم إلى رسول اللّه ليستغفر لهم . . بل إنهم بعد أن تذهب عنهم آثار هذه الصدمة ، يأخذون طريقا غير الطريق المتجه إلى الرسول ، ويمعنون في الصدود والخلاف ، عنادا واستكبارا . وقد يبدو من العجب أن يجتمع الكبر ، والجبن ، في كيان المنافقين . . ولكن مع قليل من النظر ، يتضح أن هذا هو التركيب الطبيعي للمنافق ، الذي لا يكون محققا لصفة النفاق حتى يجمع بين المتضادات . . الإيمان ، والكفر . . الصدق باللسان ، والكذب بالقلب . . الظاهر الحسن ، والباطن الخبيث . . وهكذا . . فالمنافق شخصان ، بعيش أحدهما مع الناس ، ويعيش الآخر في كيان صاحبه . . أو هو شخصية مزدوجة ، يكاد ينفصل ظاهرها عن باطنها . . قوله تعالى : * « سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ . . إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ » . . هو تيئيس للمنافقين من أن ينالوا مغفرة اللّه ، سواء أجاءوا إلى النبىّ يطلبون أن يستغفر لهم ، فاستغفر لهم ، أو لم يستغفر لهم . . فإن اللّه سبحانه لا يغفر لهم ، لأنهم لم يجيئوا إلى النبىّ إلا على طريق من نفاق ، ولم يتحدثوا إليه إلا بألسنة منافقة ، ومن هنا لم يقبل استغفار رسول اللّه لهم ، كما لم تقبل توبتهم . . إنهم تابوا إلى اللّه بألسنتهم دون قلوبهم . . إنهم فاسقون ، قد خرجوا من الإيمان بعد أن دخلوا فيه . . « إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ » .